محمد بن جرير الطبري

106

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

نزلت بمكة وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار يهود ، فقالوا : يا محمد ألم يبلغنا أنك تقول وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا أفعنيتنا أم قومك ؟ قال : " كلا قد عنيت " ، قالوا : فإنك تتلو أنا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هي في علم الله قليل ، وقد آتاكم ما إن عملتم به انتفعتم " ، فأنزل الله وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ إلى قوله إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله عز وجل وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قال : يا محمد والناس أجمعون . وقال آخرون : بل عنى بذلك الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح خاصة دون غيرهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا يعني : اليهود . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : خرج الكلام خطابا لمن خوطب به ، والمراد به جميع الخلق ، لأن علم كل أحد سوى الله ، وإن كثر في علم الله قليل . وإنما معنى الكلام : وما أوتيتم أيها الناس من العلم إلا قليلا من كثير مما يعلم الله . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا يقول تعالى ذكره : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أتيناك من العلم الذي أوحينا إليك من هذا القرآن لنذهبن به ، فلا تعلمه ، ثم لا تجد لنفسك بما نفعل بك من ذلك وكيلا ، يعني : قيما يقوم لك ، فيمنعنا من فعل ذلك بك ، ولا ناصرا ينصرك ، فيحول بيننا وبين ما نريد بك ، قال : وكان عبد الله بن مسعود يتأول معنى ذهاب الله عز وجل به رفعه من صدور قارئيه . ذكر الرواية بذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو بكر بن عياش ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن بندار ، عن معقل ، قال : قلت لعبد الله ، وذكر أنه يسرى على القرآن : كيف وقد أثبتناه في صدورنا ومصاحفنا ؟ قال : يسرى عليه ليلا ، فلا يبقى منه في مصحف ولا في صدر رجل ، ثم قرأ عبد الله : وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثنا ابن إسحاق بن يحيى ، عن المسيب بن رافع ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : تطرق الناس ريح حمراء من نحو الشام ، فلا يبقى في مصحف رجل ولا قلبه آية . قال رجل : يا أبا عبد الرحمن ، إني قد جمعت القرآن ، قال : لا يبقى في صدرك منه شيء . ثم قرأ ابن مسعود : وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ . القول في تأويل قوله تعالى : إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً يقول عز وجل : وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ يا محمد بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ولكنه لا يشاء ذلك ، رحمة من ربك وتفضلا منه عليك إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً باصطفائه إياك لرسالته ، وإنزاله عليك كتابه ، وسائر نعمه عليك التي لا تحصى . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً يقول جل ثناؤه : قل يا محمد للذين قالوا لك : إنا نأتي بمثل هذا القرآن : لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ، لا يأتون أبدا بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض عونا وظهرا . وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب قوم من اليهود جادلوه في القرآن ، وسألوه أن يأتيهم بآية غيره شاهدة له على نبوته ، لأن مثل هذا القرآن بهم قدرة على أن يأتوا به . ذكر الرواية بذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، قال : ثنا محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال : ثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمود بن سيحان وعمر بن أصان وبحري بن عمرو ، وعزيز بن أبي عزيز ، وسلام بن مشكم ، فقالوا : أخبرنا يا محمد بهذا الذي جئتنا به حق من عند الله عز وجل ، فإنا لا نراه متناسقا كما تناسق